محاكمة عاطف نجيب: ترسيخ رؤية العدالة الانتقالية

محاكمة عاطف نجيب: ترسيخ لسيادة القانون وتجسيد لرؤية العدالة الانتقالية وجبر ضرر الضحايا

دمشق – خاص

أصدرت محكمة الجنايات الرابعة المتخصصة بالعدالة الانتقالية في دمشق حكماً بالإعدام وجاهياً بحق المتهم عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي السابق في درعا، ومجموعة من رفاقه، وعلى رأسهم بشار وماهر الأسد، وذلك عقب إدانته بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، وتهم القتل، والإخفاء القسري، والقتل القصد لأطفال دون سن الـ 15، إضافة إلى التعذيب المفضي إلى الموت.

جاء النطق في الحكم بتاريخ 11 آب 2026 بعد استكمال 8 جلسات محاكمة علنية استوفت الأصول القانونية كافة، وسماع إفادات 80 شاهداً ومدعياً، وتقديم المطالعة الشاملة للنيابة العامة.
كما اعتمدت المحكمة آليات وحماية إجرائية غير مسبوقة للشهود والمتضررين، إذ شكل استخدام تقنية الاتصال المستور وحجب الهوية "الشاهد السري" محطة محورية في المسار القضائي، وأتاحت هذه الإجراءات الإدلاء بشهادات حاسمة حول الانتهاكات دون خوف من الانتقام أو الترهيب.

من جهتها تؤكد الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية أن محاكمة عاطف نجيب جرت وفق الإجراءات القانونية الوطنية والمعايير الدولية الناظمة للعدالة الانتقالية، وتشكل هذه المحاكمة محطة مفصلية في التاريخ القضائي السوري، حيث استكملت المحكمة الإجراءات الأصولية وسماع الأطراف كافة وتقديم المرافعات، وصولاً إلى تقديم النيابة العامة لمطالعتها الشاملة المؤسسة على الوقائع والأدلة الثابتة، والتي عكست بصورة قانونية حق الضحايا والمجتمع في المحاسبة.

في هذا السياق عملت إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية خلال مراحل هذا الملف، وضمن اختصاصها، على متابعة مسار الأدلة والملف القضائي، بما يدعم الوصول إلى الحقيقة ويضمن حضور حقوق الضحايا ضمن مسار العدالة، ويقول المحامي رديف مصطفى، مدير إدارة المساءلة والمحاسبة في الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية، أن:
"صدور الحكم بحق المتهم عاطف نجيب يؤكد أن الجرائم الجسيمة لا تسقط بالتقادم السياسي أو بتغير الظروف، وأن التعامل معها يكون من خلال القضاء وسيادة القانون، وبما يضمن حقوق جميع أطراف الدعوى وضمانات المحاكمة العادلة".

كما تأتي هذه الجلسات لتؤكد على رؤية الهيئة، إذ لا تهدف المحاكمات إلى إيقاع العقوبة كإجراء مجرد، بل تسعى إلى بناء منظومة متكاملة تضمن جبر ضرر الضحايا، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب، وتأسيس دولة المؤسسات وسيادة القانون، حيث تعتمد الهيئة فلسفة تضع الضحايا والمتضررين في صدارة الاهتمام الإجرائي والقانوني، وفي هذا السياق صرح المحامي رديف مصطفى بالقول:
"الأهم بالنسبة لنا أن يشعر الضحايا وعائلاتهم بأن شهاداتهم وحقوقهم حاضرة في هذا المسار، وأن الدولة تتعامل مع الجرائم الجسيمة من خلال مؤسساتها وقواعدها القانونية، فالعدالة لا تقوم على الانتقام، وإنما على الحقيقة والقانون والمحاسبة والإنصاف".

لا تعد محاكمة عاطف نجيب ختاماً لمسار المساءلة بحسب رؤية الهيئة، بل هي نموذج تطبيقي لملفات قضائية أخرى تعمل عليها إدارة المساءلة والمحاسبة بالتنسيق مع الجهات القضائية المختصة، وتتكامل مع خطط الهيئة لضمان عدم تكرار الانتهاكات، وأكد مصطفى على استمرارية هذه الجهود بقوله:
"ننظر إلى هذا الحكم باعتباره خطوة مهمة، لا نهاية للمسار، فهناك ملفات أخرى قيد المتابعة، ومحاكمات قطعت مراحل متقدمة، ونواصل العمل وفق استراتيجية شاملة تقوم على المساءلة والمحاسبة وعدم الإفلات من العقاب".

إن وصول ملف محاكمة عاطف نجيب إلى مرحلة الفصل القضائي يمثل شهادة عملية على قدرة المؤسسات الوطنية على إدارة ملفات العدالة الانتقالية وفق أعلى المعايير القانونية، وتستمر الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في تقديم الدعم القانوني اللازم للمحاكم، وصولاً إلى ترسيخ دولة القانون، وإعادة بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات العدالة.