في خطوة ميدانية تهدف إلى الالتقاء المباشر مع الضحايا والاستماع إلى شهاداتهم، وكسر مركزية التقاضي، زار وفد قضائي بلدة مهين والقرى المحيطة بها في ريف حمص الجنوبي الشرقي (نحو 85 كيلومتراً عن مركز المحافظة)، لمباشرة توثيق الشهادات والاستماع المباشر لضحايا الانتهاكات الجسيمة التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية.
وضم الوفد المشترك إدارة المساءلة والمحاسبة بإدارة المحامي رديف مصطفى في الهيئة العامة للعدالة الانتقالية، وبحضور النائب العام وعدد من القضاة المختصين بقضايا العدالة الانتقالية.
تسعى إدارة المساءلة والمحاسبة من خلال هذه التحقيقات الميدانية إلى تجنيب الضحايا وأصحاب المصلحة مشقة السفر وعناء التنقل إلى العاصمة دمشق، حيث تعقد المحاكمات الرئيسية مؤكدة على إشراك الضحايا بصورة مباشرة في مراحل التحقيق وبناء الدعاوى.
تكتسب بلدة مهين أهمية في ملف التحقيقات الجارية، بالنظر إلى طبيعتها الجغرافية والعسكرية السابقة، حيث استغلها النظام البائد وحولها لمستودعات ضخمة للأسلحة والذخيرة، وتعد ثاني أكبر موقع استراتيجي للأسلحة في سورية، وسبق أن تعرضت لسلسلة من الجرائم والانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها النظام البائد بحق سكانها وسكان القرى المجاورة.
شملت الإفادات والشهادات التي تم جمعها من قبل الوفد توصيفاً لجرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، تنوعت بين الاعتقال التعسفي، والإخفاء القسري، والقتل خارج إطار القانون، والتعذيب الممنهج المؤدي للموت، فضلاً عن سياسات التهجير الجماعي والاضطهاد ونهب الممتلكات.
60 شهادة تجسد إرادة المحاسبة
خلال الجولة الميدانية استمع الوفد القضائي لشهادات نحو 60 شخصاً ما بين مدعٍ وشاهد، كان من بينهم قرابة 25 شخصاً من أولياء الدم الذين قدموا إفاداتهم الرسمية، تمهيداً لإحالة هذه الملفات رسمياً إلى النيابة العامة المختصة بالعدالة الانتقالية.
فيما يتعلق بالآلية الإجرائية لمتابعة هذه الملفات، يقول رديف مصطفى مدير دائرة المساءلة والمحاسبة: "العمل جارٍ على جمع الأدلة والشهادات وتبويب البيانات القانونية لتحويلها إلى قاضي التحقيق المختص، بغية إصدار القرار الظني، ومن ثم نقل الملفات إلى قاضي الإحالة لإصدار القرار الاتهامي، وإحالة الدعاوى نهائياً إلى المحكمة المختصة".
في سياق متصل، تم رسمياً تقييد ومتابعة دعاوى قضائية بحق عدد من المتورطين في هذه الانتهاكات، كان من أبرزهم: يائيل الحسن الملقب "عقيد مستودعات مهين" وقائد المستودعات سابقاً والمتهم الأساسي بالمسؤولية عن ارتكاب الانتهاكات، ومعاونه وجيه إبراهيم، ومصطفى خضر، حيث تم توجيه تهم لهم بتورطهم في ارتكاب انتهاكات وأعمال إجرامية في المنطقة خلال فترة إدارتهما للمستودعات.
من جانبه أكد مصطفى أن هذه الزيارة لا تعتبر حالة استثنائية، بل تأتي استكمالاً لنهج ميداني اعتمدته الإدارة للوصول إلى الضحايا في مختلف المحافظات، مشيراً إلى جولات سابقة شملت زيارات لمدينة دير الزور، والحولة، والقنيطرة، ودرعا.
كما شدد مصطفى على التزام الهيئة بمواصلة العمل الميداني والالتقاء بالضحايا وذويهم، مشيراً عن نية الهيئة القيام بزيارة قريبة قادمة للمنطقة لاستكمال أخذ الشهادات والاستماع لبقية المتضررين، تأكيداً على أن مسار العدالة والمحاسبة لن يستثني أحداً ولن يغفل أي شبر من الأرض.